المستشار/ محمد عبد القادر عبد الله
الأمين العام


رغم حداثة استقلال الدول العربية ووضع أنظمتها السياسية والدستورية، إلا انها حرصت في معظمها علي الأخذ بنظام للرقابة علي دستورية القوانين تأكيدا لمبدأ سمو الدستور وصيانة لأحكامه وتحصيناً لها من الاعتداء عليها.

واتخذت الرقابة علي دستورية القوانين في الوطن العربي اكثر من صورة فمنها الرقابة السياسية، ومنها الرقابة القضائية، وفي مجال الرقابة السياسية ما هو سابق علي صدور القانون ومنها ما هو لاحق، كما أن من اوجه الرقابة القضائية ما يكفل إلغاء القانون المخالف للدستور، ومنها ما يكتفي بالامتناع عن تطبيق هذا القانون علي الدعوى المنظورة أمام القضاء.

ولقد سارت دل المغرب العربي علي الأخذ بالنهج الفرنسي في الرقابة الدستورية إلا وهي الرقابة السياسية، ويظهر ذلك واضحاً بالنسبة لكل من المغرب وتونس والجزائر وموريتانيا إذ عهدت بالرقابة الدستورية فيها إلى مجالس دستورية وحذت حذوها في المشرق العربي الجمهورية اللبنانية، بينما أخذت كل من ليبيا واليمن والسودان ومصر والكويت والأردن ومملكة البحرين بنظام الرقابة القضائية بإنشاء محاكم دستورية أو دوائر دستورية في محاكمها العليا لتباشر هذه الرقابة وهو ما اتجهت أو في سبيلها إلى الأخذ به باقي الدول العربية في سوريا والإمارات وقطر وعمان.
ولقد برزت فكرة إقامة منظمة عربية إقليمية – علي غرار منظمة اتحاد المحاكم والمجالس الدستورية للدول الناطقة بالفرنسية A.C.C.P.U.F. والمؤتمر الأوروبي للمحاكم الدستورية – تجمع بين الدول العربية التي لديها هيئات تضطلع بالرقابة الدستورية ليكون وسيلة إيجابية وفاعلة وإطار تنظيمي لتبادل التجارب والخبرات التي اكتسبها كل بلد في هذا المجال مع التوفيق بين اعتبارين متلازمين:

أولهما : ضرورة مواكبة تطوير الرقابة الدستورية علي المستويين الإقليمي والعالمي التي تزداد عمقاً واتساعاً وتتنامي تطبيقاتها في ضوء ما تحظي به هذه الرقابة من أهمية بالغة في تحقيق الدولة القانونية والشرعية الدستورية كسياج للديمقراطية وبوصف أن الدساتير هي القوانين الأعلى في مدارج البنيان القانوني في الدول الحديثة، وهو أمر تأكد في الوطن العربي في إطار التحولات التاريخية والسياسية التي مر بها بعد معركة التحرر من الاستعمار التي خاضتها معظم هذه الدول، وأيماناً منها بان ترسيخ الشرعية الدستورية هو الضمان الأكيد لحياة افضل للإنسان العربي إذ يتهيا له في ظل مبدأ سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان مناخ الأقدام والإبداع والتطور والأمن الاجتماعي.

ثانيهما : مراعاة الخصوصية التاريخية والسيادة الداخلية والتطور السياسي لكل دولة وانعكاسه علي نظامها الدستوري والقانوني وعلي نوع الرقابة الدستورية التي تأخذ بها ودرجتها.

وفي إطار التوفيق بين هذين الاعتبارين وأثناء زيارة وفد المحكمة الدستورية العليا في جمهورية مصر العربية للمجلس الدستوري للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية طرحت فكرة تأسيس تجمع بين الهيئات التي تمارس صلاحية الرقابة الدستورية في الوطن العربي وبغض النظر عن تسمياتها ودرجة ونوع الرقابة التي تمارسها، وقد قوبلت هذه الفكرة بالترحيب من جانب مصر والجزائر، وقاما بحملها إلى الأشقاء الذين يتولون مهمة الرقابة الدستورية في معظم الدول العربية فقوبلت كذلك بترحيب واسع من الجميع لما تعكسه من عمق العلاقات والروابط وتوطيداً لأواصر الاخوة والصداقة والتعاون فيما بينها.
وبتاريخ 25 و 26 فبراير سنة 1997 تم عقد مؤتمر تحضيري بالقاهرة جمع بين وفود إحدى عشرة دولة عربية لبلورة الكرة وأعداد مسودة النظام الأساسي لمشروع الاتحاد المزمع إقامته بمسمي " اتحاد المحاكم والمجالس الدستورية العربية " وبتاريخ 26 يونيو سنة 1997 عقد المؤتمر التأسيسي بالجزائر وتمت المصادقة علي نصوصه التأسيسية والتنظيمية من قبل الدول المؤسسة وهي إحدى عشرة دولة تمثل المحاكم والمجالس الدستورية الآتية:

  1. المجلس الدستوري للجمهورية التونسية.
  2. المجلس الدستوري للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
  3. المحكمة الدستورية العليا بجمهورية السودان.
  4. المحكمة العليا لدولة فلسطين.
  5. المحكمة الدستورية لدول الكويت.
  6. المجلس الدستورية للجمهورية اللبنانية.
  7. المحكمة العليا للجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمي.
  8. المحكمة الدستورية العليا لجمهورية مصر العربية.
  9. المجلس الدستوري للمملكة المغربية.
  10. المجلس الدستوري للجمهورية الإسلامية الموريتانية.
  11. المحكمة العليا للجمهورية اليمنية.

وحضر المؤتمر التأسيسي بصفة مراقب وفد المحكمة العليا بالمملكة الأردنية الهاشمية ووفد من مملكة البحرين وقد انضمت المملكة العليا الأردنية للعضوية العاملة للاتحاد، كما انضمت فور إنشائها المحكمة الدستورية بمملكة البحرين لعضوية الاتحاد ليصبح عدد أعضائه ثلاثة عشر عضواً.

وتضمنت ديباجة النظام الأساسي بيان الأهداف المتوخاة من إقامة هذا الاتحاد في توطيد روابط الاخوة والصداقة فيما بين دولة وتعميق مفاهيم الرقابة الدستورية في الوطن العربي وترسيخ دور هذه الرقابة في حماية الحقوق والحريات العمة وتيسير تبادل الخبرات وإثراء المعارف الدستورية بين المتخصصين في إطار تنظيمي عربي مماثل للاتحادات والهيئات علي المستوي العالمي.

وبإلقاء نظرة علي النظام الأساسي للاتحاد يتبين انه ينكون من عدد 31 مادة تنتظمها ستة فصول، الفصل الأول في إنشاء الاتحاد وقد كفلت المادة 2 منه الشخصية الاعتبارية للاتحاد ويمثلها رئيس الاتحاد أو من ينيبه ونصت المادة 3 علي اتخاذ القاهرة مقراً دائماً للاتحاد وتنفيذاً لذلك وفرت حكومة جمهورية مصر العربية الاعتمادات اللازمة لإنشاء هذا المقر وأدارته وقامت بالفعل المحكمة الدستورية العليا بتخصيص جزء من مبناها الجديد بكورنيش النيل بالمعادي ليكون مقراً لهذا الاتحاد وجري تأثيثه وتجهيزه واصبح في الصور اللائقة.

ويبين الفصل الثاني أهداف الاتحاد ووسائل تحقيقها وتتحصل في إصدار مجلة دورية لنشر البحوث والدراسات القانونية الدستورية وما يصدر عن المحاكم والمجالس من أحكام وقرارات وعقد المؤتمرات والندوات وتبادل الزيارات وتشجيع التأليف والترجمة والنشر في مجال الرقابة الدستورية وإنشاء مكتبة قانونية شاملة بمقر الاتحاد.

وتضمن الفصل الثالث أحكام عضوية الاتحاد وفتحها أمام كافة المحاكم والمجالس الدستورية بالدول العربية التي لم تشترك في تأسيس الاتحاد أو تطلب الانضمام كما أجاز للمحاكم والمجالس في غير الدول العربية أن تحضر بصفة مراقب.

ويبين الفصل الرابع أجهزة الاتحاد وتتمثل في الجمعية العامة للاتحاد ومجلس الاتحاد والأمانة العامة، وتجتمع الجمعية العامة في دورة عادية كل سنتين ويجوز لها عقد دورة استثنائية بناء علي طلب ثلث أعضاء الاتحاد ويتكون مجلس الاتحاد من رئيس ونائب للرئيس ومن رؤساء المحاكم والمجالس الأعضاء ويجتمع في دورة عادية مرة في السنة وتكون رئاسة الاتحاد بالتناوب لمدة سنتين وبحسب الترتيب الهجائي لأسماء الدول الأعضاء وبمقتضى الأحكام الانتقالية تولت الجزائر رئاسة الاتحاد فور إنشائه استثناء من القاعدة سالفة الذكر ثم تلتها تونس ثم السودان ثم الكويت حتى هذا التاريخ.

ونظمت المادة 22 وضع الأمانة العامة للاتحاد وعهدت إليها بإدارته مالياً وإداريا وتنفيذ قرارات الجمعية العامة ومجلس الاتحاد وعهدت إليها بإدارته مالياً وإداريا وتنفيذ قرارات الجمعية العامة ومجلس الاتحاد ويتولى رئاستها أمين عام يتم انتخابه لمدة أربع سنوات من الجمعية العامة بأغلبية أعضائها، وقد كان لي شرف انتخابي كأول أمين عام للاتحاد بإجماع الآراء.

وخصص الفصل الخامس للأحكام المالية وبيان الموارد المالية للاتحاد وتحديد بدء ونهاية السنة المالية وان يتم الصرف طبقاً للائحة المالية التي أقرتها الجمعية العامة للاتحاد.

وجاء الفصل السادس مبيناً الأحكام العامة والأحكام الانتقالية والختامية أهمها ما نصت عليه المادة 29 من جواز تعديل أحكام النظام الأساسي للاتحاد بقرار من الجمعية العامة بأغلبية ثلثي أعضائها.

وتجدر الإشارة إلى أن الاتحاد اصدر دليلاً يسمي "دليل اتحاد المحاكم والمجالس الدستورية العربية" انطوي علي النصوص المنظمة لكل محكمة أو مجلس عضو بالاتحاد بما يبين تشكيلها واختصاصاتها، كما عقد الملتقي الفكري الأول في تونس في 29 نوفمبر سنة 1999، وشملت أعماله الأبحاث المقدمة من الدول الأعضاء حول تجربة الرقابة علي دستورية القوانين في الدول الأعضاء في الاتحاد، وقد انعقد مجلس الاتحاد في دورته السادسة يومي 15 و 16 يناير سنة 2003 بالجمهورية الإسلامية الموريتانية من بين جدول لأعماله تحديد موعد ومكان انعقاد مؤتمر قانوني علي المستوي الدولي وبيان موضوع أو موضوعات الأبحاث لهذا المؤتمر.

ويتبين مما تقدم أن اتحاد المحاكم والمجالس الدستورية العربية بوصفه منظمة إقليمية متخصصة في مجال الرقابة الدستورية يشق طريقه بثبات واقتدار ليكون منبراً حراً لرقابة دستورية القوانين في الوطن العربي تعبيراً عن التطبيق الديمقراطي الصحيح الذي تسير فيه الدول العربية.

  المستشار/ محمد عبد القادر عبد الله
الأمين العام