كلمة الأمين العام السابق

بسم الله الرحمن الرحيم

 كلمة الأمين العام السابق

 ظل العمل العربي المشترك أساساً راسخاً لتدعيم وتقوية أواصر التعاون المثمر بين الدول العربية في مختلف المجالات، وتم تتويج مظاهر هذا التعاون – في مجال الرقابة على دستورية التشريعات – بتأسيس اتحاد المحاكم والمجالس الدستورية العربية، كي يضيف رافداً جديداً إلى روافد أمتنا العربية.

وقد تمثلت نقطة البدء، في هذا الصدد، في إنشاء وتنظيم العديد من المحاكم والمجالس الدستورية، بالإضافة إلى الجهات القضائية التي تتولى القضاء الدستورى، سواء كانت في صورة محاكم عليا أم دوائر دستورية في هذه المحاكم، وقد أبلت جميعها بلاءً حسناً في القيام بدورها في تحقيق الرقابة الفعالة على دستورية التشريعات؛ في صورة الأحكام والقرارات الصادرة عنها، والتي أدت إلى كفالة مبدأ سيادة القانون بمفهومه الواسع وحماية حقوق وحريات الإنسان والمواطن.

ونتيجة لما تقدم، برزت فكرة إنشاء كيان تنظيمي يجمع جهات الرقابة الدستورية في وطننا العربي تحت مظلة اتحاد يهدف إلى توطيد العلاقات بين هذه الجهات وتبادل المعلومات والأفكار والتجارب بما تشمله من أحكام وقرارات صادرة عنها، فضلاً عن نشر الثقافة الدستورية عن طريق تبادل الأبحاث والمقالات والدراسات المتعلقة بالرقابة الدستورية على التشريعات بما تشمله من قوانين ومراسيم بقوانين ولوائح.

وقد تبلورت هذه الفكرة في المؤتمر التحضيري الذي انعقد بالقاهرة في شهر فبراير سنة 1997 وحضره ممثلون عن المحاكم والمجالس الدستورية في ثماني دول عربية هي: تونس والجزائر والكويت ولبنان وليبيا ومصر والمغرب وموريتانيا، وانتهى البيان الختامي لهذا المؤتمر إلى الموافقة على مشروع النظام الأساسي للاتحاد، وتلا ذلك المؤتمر التأسيسي للاتحاد الذي انعقد بمدينة الجزائر في شهر يونيه سنة 1997 وانضم إليه ممثلون عن المحاكم الدستورية والعليا في ثلاث دول أخرى هي: السودان وفلسطين واليمن، حيث تم التوقيع على النظام الأساسي للاتحاد في 26 من يونيه سنة 1997، ثم أصدر الاتحاد نظامه المالي ونظامه الداخلي. وبعد ذلك عقدت الجمعية العامة ومجلس الاتحاد عدة اجتماعات في مقره بمدينة القاهرة وفي العديد من عواصم الدول العربية التي استضافت تلك الاجتماعات، وقد انضمت إلى عضوية الاتحاد لاحقاً كل من المحكمة الدستورية بالمملكة الأردنية الهاشمية والمحكمة الدستورية بمملكة البحرين، كما انضمت أخيراً كل من المحكمة الاتحادية العليا بدولة الإمارات العربية المتحدة، والمحكمة الاتحادية العليا بجمهورية العراق، ليصبح عدد أعضاء الاتحاد خمس عشرة من المحاكم والمجالس الدستورية والمحاكم العليا العربية التي تتولي مهام القضاء الدستورى.

وتتضمن نصوص النظام الأساسي للاتحاد  تحديد أهدافه، وبيان وسائل تحقيقها وقواعد العضوية، وأجهزة الاتحاد ممثلة في الجمعية العامة والمكتب التنفيذي والأمانة العامة، بالإضافة إلى الأحكام المالية والأحكام العامة والانتقالية والختامية. وخلال انعقاد دورته الثامنة بالقاهرة في شهر فبراير سنة 2005، قرر الاتحاد إنشاء اللجنة العلمية لبحث الاقتراحات وإصدار التوصيات المتعلقة بأعمال الترجمة والبحوث والدراسات القانونية ومجلة الاتحاد وموقعه على الشبكة الدولية الإلكترونية (الإنترنت)، فضلاً عن اقتراح موضوعات الملتقيات العلمية والمؤتمرات والندوات، وقد شرفت بعضوية هذه اللجنة العلمية.

وقد تم اختيار سعادة المستشار محمد عبد القادر عبد الله نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا المصرية أميناً عاماً للاتحاد لأربع دورات متتالية منذ تأسيس الاتحاد حتى تاريخ انعقاد الجمعية العامة ببيروت في أكتوبر سنة 2011، حيث قدم سعادته اعتذاره عن عدم إمكانه الاستمرار في منصبه نظراً لتعيينه محافظاً ثم بلوغه سن التقاعد بوظيفته القضائية، فقامت الجمعية العامة على إثر ذلك بتشريفي بالاختيار لمنصب أمين عام الاتحاد.

وقد نجح الاتحاد في توسيع مجالات أنشطته لتشمل توثيق العلاقات العلمية والثقافية مع بعض المنظمات الدولية التي تباشر مهاماً شبيهة بتلك المهام التي يضطلع بها اتحادنا العربي، والتي تتمثل في كل من اتحاد المحاكم والمجالس الدستورية للدول الناطقة باللغة الفرنسية ACCPUF ولجنة فينيسيا  Venice Commission  المنبثقة عن الاتحاد الأوروبي، والتي تهدف إلى تحقيق الديمقراطية من خلال القانون، وأخيراً اتحاد المحاكم والمجالس الدستورية للدول الناطقة باللغة الإسبانية Ibero American حيث يتم تبادل المعلومات والأبحاث بينها وبين اتحادنا العربي، كما يتم تبادل حضور المؤتمرات والاجتماعات المهمة لتلك المنظمات بدعوة كل طرف منها للمشاركة فيها وتقديم المقالات والأبحاث المتصلة بموضوع الرقابة الدستورية، وهو الموضوع الذي يمثل القاسم المشترك بينها جميعاً، فضلاً عن تبادل الأحكام والقرارات والمبادئ الصادرة عن المحاكم والمجالس الدستورية أعضاء تلك المنظمات.

ويُعد تحديث وتفعيل الموقع الإلكتروني الحالي للاتحاد على الشبكة العالمية ( الإنترنت) ثمرة للقرار الصادر من الاتحاد في اجتماعه الأخير ببيروت في أكتوبر سنة 2011، وإعمالاً لهذا القرار تمت دعوة الشركات المتخصصة لتقديم عروضها في هذا المجال، ووقع الاختيار على أفضلها من حيث المواصفات والخبرة، فضلاً عن المقابل المالي، ومن أهم ملامح تحديث هذا الموقع توسيع إمكانياته واستخداماته، وإدخال الترجمة بين اللغتين العربية والإنجليزية، فضلاً عن إضافة خاصية جديدة داخل هذا الموقع يمكن بمقتضاها التفرقة بين الأشخاص المخولين بدخول واستخدام الموقع بطريقة تفاعلية وسائر المستخدمين للموقع بوجه عام، بما يضمن تأمين المعلومات المتداولة فيه بحسب أهميتها ودرجة سريتها، إلى جانب تطوير الموقع بحيث يتسع لاستيعاب أي استخدامات جديدة وفقاً للتطور التقني المتوقع.

كما تم كذلك- إعمالاً لقرار الجمعية العامة للاتحاد التى انعقدت في مارس سنة 2013 بمملكة البحرين- التشغيل التجريبي للمكتبة الإلكترونية (الرقمية)؛ التي تمثل خطوة بالغة الأهمية في سبيل الإحاطة بأحكام وقرارات المحاكم والمجالس الدستورية والمحاكم العليا العربية أعضاء الاتحاد، وكذلك المؤلفات العلمية المهمة ذات الصلة في مجال البحث الدستوري والقانوني، ويعد إنشاء تلك المكتبة ثمرة لجهد متواصل من فريق العمل بالأمانة العامة للاتحاد من أجل إخراجها وفقا لأحدث الأساليب العلمية والتقنية.

ولا يسعني فى هذا المقام إلا أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير للسادة الأساتذة رؤساء وأعضاء اتحاد المحاكم والمجالس الدستورية العربية المشاركين في اتحادنا العربي على تعاونهم المخلص ودعمهم المتواصل لكافة أجهزته، كما أشكر الإخوة العاملين بالأمانة العامة بمقر الاتحاد على ما يبذلونه من جهد دائب في سبيل معاونة الأمين العام على الاضطلاع بالمسئوليات الفنية والإدارية والمالية الملقاة على عاتقه طبقاً لأنظمة الاتحاد، فضلاً عن مهامه المتعلقة بمتابعة التطوير المستمر لكافة الجوانب العلمية والثقافية وتنمية التعاون وتبادل المعلومات والأبحاث والمبادئ بين أعضاء الاتحاد من جهة، وبينهم وبين سائر شركائه من المنظمات الدولية من جهة أخري.

و في الختام نسأل الله دوام التوفيق والسداد وأن يعيننا جميعاً علي بذل مزيد من الجهد من أجل استمرار تطوير أنشطة اتحادنا العربي الزاهر.

المستشار/ د. حنفي علي جبالي

 رئيس المحكمة الدستورية العليا المصرية 

 أمين عام الاتحاد – سابقاً